بسم الله الرحمن الرحيم





هل تتدخل الحكومة في السوق؟






"أفضل حكومة هي أخف حكومة" كلمة تنسب لتوماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة. وتختصر الكلمة وظيفة الحكومة في النظام الرأسمالي، وهي الطريقة المثلى بالنسبة للمحافظين البريطانيين، والأسلوب الأكمل للجمهوريين الأمريكيين، حيث يبقى تدخل الحكومة في النشاطات التجارية والاجتماعية في أقل وأخف صوره في حين ترى الحكومات اليسارية والثورية والعمالية والديمقراطية (الأمريكية) أن الحكومة يقع عليها عبء كبير في تسيير أمور الاقتصاد وليس فقط تقنينها والإشراف عليها بهدف تحقيق العدل بين شرائح المجتمع كافة، دون ترك بعضهم فريسة للبعض الآخر.

وللحكومة وظائف أساسية تتفق عليها أشكال الحكومات كافة مثل توفير الحماية من التهديدات الخارجية، والأمن الداخلي، والنظام القضائي، وتسيير العلاقات الخارجية وتطويرها مع الدول الأجنبية، ولكن الوظائف الخدمية هي التي تختلف عليها الحكومات، مثل التنظيمات التجارية وإدارة المؤسسات العامة والإشراف على الأسواق المالية وغيرها. ويرى أتباع الأسلوب الجمهوري في الحكومات أن تترك الحكومة للمؤسسات التجارية ومؤسسات المجتمع المدني صياغة الآلية التي تحكم بها نفسها لأنها أفضل من تدخل فوقي يفقد السوق اعتماده على نفسه، ويتعود المتعاملون فيه على تدخل "الأخ الأكبر" لإصلاح الأمور متى ما خرجت عن السيطرة، في حين أن وظيفة الحكومة الرئيسية هي حماية الممتلكات الخاصة وتكريس الفردية وحمايتها من تدخل القوى الأخرى بما في ذلك الحكومة نفسها، والفصل التام بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. ويرى أصحاب المذهب الثاني أن للحكومة وظيفة أساسية في تسيير مصالح الناس ومراعاة صيانة القانون العام، وأهمية حماية الفرد من استغلال التجار وقوانين السوق المطلقة التي قد تفترس الضعيف، حيث يصوغ قوانين عمل الأسواق الأقوياء والنافذون.

كانت هذه هي الخريطة العامة لعمل الحكومات لعدة قرون، ولكن ما حصل في الأسابيع القليلة الماضية يقرب بين المذهبين فهذا الرئيس جورج بوش (وهو الجمهوري) يقود تحالفاً دولياً لحث الحكومات على التدخل في أسواق المال لديها لحماية المؤسسات المالية والمصارف. وتقدم الحكومات تريليونات الدولارات مساعدات مباشرة للبنوك والمؤسسات المالية. ووصل المبلغ حتى الآن لأكثر من ثلاثة تريليونات دولار في خمس دول فقط (أمريكا، وبريطانيا، وألمانيا، وأيرلندا، وفرنسا). وتمكن هذه المبالغ الحكومات من شراء أسهم في الشركات المتعثرة، أو شراء نسبة من أصولها، لتدخل بذلك في مجالس الإدارة وتمارس توجيه سياسات هذه الشركات ومن ثم سوق المال بشكل أعم. وأدت هذه الخطوات السريعة والحاسمة لتوقف حمى الانهيار في أسواق المال العالمية، وارتفاع بعضها بشكل ملحوظ، لتعود الثقة مرة أخرى لدى المساهمين حين علموا بتدخل حكوماتهم لحماية مدخراتهم.

تشدد الحكومات الديمقراطية الغربية على انفصال الحكومات عن الحياة التجارية وأسواق المال في بلدانها، إلا أن الأزمة المالية الأخيرة كرست مفهوم الحكومة التقليدية اليسارية.

لا شك أن عدم تدخل الحكومات في الأسواق يقوي هذه الأسواق ويدعم استقلاليتها، وقيامها على أسس تجارية بحتة، ولا ينفي ذلك وجود الأنظمة، والشفافية، والمحاسبية، والأنظمة الإطارية كافة التي تتيح للسوق التحرك وفق قوى طبيعية وضمان عدم التحكم والاحتكار من بعض العاملين فيه. ولكن هذه الاستقلالية والعمل خارج سيطرة الحكومات يجعلان الأسواق مكشوفة في حال تعرضت لنكبات أو أزمات اقتصادية. كما يصعب الفصل بين عمل الأسواق (ومنها أسواق المال) والاقتصاد الكلي للبلاد الذي تتولى الحكومات توجيهه والعمل على تطويره ودعمه بناءً على المعاهدات الدولية والعرض والطلب العالميين.

إن استقلال الأسواق المالية، وخروجها عن سيطرة "الأخ الأكبر" يظل حلاً يولد مشكلة، ولكنه يبقى خياراً "يسارياً" لازماً مهما بالغت الحكومات في "اليمينية" ومهما بالغت الأسواق في دعاوى انعتاقها من سيطرة الحكومات.

وبناءً على ما سبق، فإن للحكومة أن تتدخل بشكل مباشر في سوق المال، لتحقق المعادلة المفقودة والاستقرار المنشود، وذلك بتوجيه عمليات الشراء والبيع باستخدام الصناديق التي تشرف عليها للمحافظة على المستوى العادل لسوق المال الذي يعكس الأوضاع الحقيقية للشركات والاقتصاد الوطني.








ig jj]og hgp;,lm td hgs,r?