عبد الله يضحك
كانَ عبدُ اللهِ يَسْتجدي مَناماً هارِباً من مُقلتيهْ‏
وهو يَضْحَكْ‏
خائِفاً مِنْ أَحَدٍ يسرقُهُ في العَتْمِ فاسْتَلقى‏
و أَخْفى جسمَهُ في ساعِديْهْ وهو يَضْحَكْ‏
و رآهُ الحرسُ السِّرِّيُّ كالخرقَةِ مَطْروحاً ومَغْشِياً عَليهْ‏
وهو يَضْحَكْ‏
فإذا ما دَحْرَجَتْهُ الريحْ‏
يضحَكْ‏
و إذا ما اندثَرَتْ أَسمالُهُ في الريحْ‏
يَضْحَكْ‏
* * *‏
: إنَّ عبدَ اللهِ مَوْلانا‏
يشُدُّ الريحَ في كِلتا يَديهْ‏
نحنُ شاهدناهُ يا مولايَ عبدَ اللهِ هذا‏
يصفعُ الريحَ … ويضحَكْ‏
: أوْدِعوهُ السِّجنَ كَيْ لا يصفَعَ الريحَ ويضحَكْ‏
* * *‏
عادَ عبدُ اللهِ‏
مِنْ نزهتهِ في السجنِ يَطْوي خلفَهُ بضْعَ سِنينْ‏
رأسُهُ في قدمَيهْ‏
وهو يضـحَكْ‏
جاعَ فاسْتَلَّ رغيفاً كانَ في أسمالِهِ‏
و مضى مُبتعداً عن أهلِهِ يمضغُ الخبزَ … ويضحَكْ‏
فإذا ما علقَتْ أَظفارُهُ في سَعَفِ النخلَةِ … يضحَكْ‏
و إذا ما هاجمتْ أَسمالَهُ عاصِفَةٌ يمشي وراءَ العاصِفَهْ‏
شِبْهَ عُريانَ … ويَضْحَكْ‏
* * *‏
إنَ عبدَ اللهِ هذا خَطَرٌ في يقظتِهْ‏
خَطَرٌ في وحدتِهْ‏
خَطَرٌ في ضحكَتِهْ‏
هو في حالاتهِ أَجمعِها مُسْتغرقٌ في الضحكِ يا مَولايَ‏
حتى … وهو يَبْكي‏
إنَّ عبدَ اللهِ مولانا يُخيفُ النخلَ والريحَ‏
يُخيفُ النومَ واليقظَةَ والخُبزَ … ويضحَكْ‏
: أودعوهُ السجنَ كي لا يُقلِقُ الريحَ‏
و لا النخيلَ ولا النومَ ولا الحلمَ … ويضحَكْ‏
شاخَ عبدُ اللهِ في السجنِ‏
و أحْنى ظهرَهُ وَطْءُ السِّنينْ‏
فَعوى كالذئبِ في العتمِ ونادى:‏
: أَخْرجوني‏
لنْ تراني الريحُ بعدَ اليومِ والنخلَةُ … لن تَعرِفَني‏
و رَغيفي … ضاعَ مِنِّي‏
و مَنامي ماتَ في عتمِ السُّجونِ‏
نَبْعَةُ الضحكِ التي تَنْتَابُني جَفَّتْ‏
و ها … شابَتْ جُفوني‏
فأنا غيرُ أَنا إنْ تُطلقِوني‏
زَحْزِحوا عَنِّيَ هذا الليلَ حتَّى تُبْصِروني‏
إنني في حِدَّة الوَعْيِ وقد جاوَزْتُ غاباتِ الجُنونِ‏
عارياً أمسيتُ أوْ أصبحْتُ‏
من ضحكي ومِن دمعي ومن حُلمي‏
و من أيِّ انحرافٍ يَعْتَريني‏
ولقد ألقيتُ أسمالِيَ في الطينِ‏
لكي لا تُقلقَ الريحَ فهيَّا … دّحْرِجوني‏
أَخبروا مَوْلايَ إني حجرٌ إن تَتْرُكوني‏
فاتْرُكوني‏
* * *‏
هامَ عبدُ اللهِ في الصَّحراءِ مثلَ الدودةِ العمياءِ‏
حيناً يمتطي الريحَ‏
و حيناً يمتطي الرَّمْلَ‏
و حيناً يتفيَّأ ظِلَّ أوراقِ الخُزامى‏
لم يعد يَحْتَمِلُ الرحلَةَ فاستلقى على الرَّمْلَ‏
و زارَتْهُ حَمَامَهْ‏
هدلَتْ بينَ يديهْ‏
ثم ألقَتْ فوقَهُ حبَّة قَمحٍ‏
قالَ عبدُ اللهِ -: لو أَزْرَعُها‏
فلقد تُنبِتُ لي سُنْبُلَةً أطحَنُها‏
و رآهُ الحرسُ السريُّ مَطْروحاً على الرَّملِ‏
يُناجي السُّنبلةْ‏
و ينمِّي مَوْسِماً في حلمهِ للسِّنين الممحلهْ‏
و يُنادي غيمةً هارِبةً‏
كانَ عبدُ اللهِ قد غازَلَها قبل سنينَ السِّجنِ‏
بالمَوَّالِ والدَّمْعَةِ والنَّايِ ولم تَسْتَقْبِلَهْ‏
* * *‏
: أنتَ عبدَ اللهِ مقبوضٌ عليكْ‏
تَحفرُ الأَرضَ بلا إذنٍ منَ السُّلطانْ‏
كَيْ تَكْشِفَ أسْرارَ السنينَ المُقبِلَةْ‏
تَتَخَفَّى نحنُ شاهَدْناك في ظلِّ الخُزامَى‏
و تُنادي الغيمةَ المرتَحِلَةْ!!‏
* * *‏
عندما اقْتادوهُ للسلطانِ ظَمآنَ وعُريانَ وجائِعْ‏
داهمتْهُ حالَةُ الضِّحكِ‏
فألقى رأسَهُ بينَ يديهْ‏
و هو يضحَكْ‏
* * *‏
حَدَّثوا السلطانَ كيفَ اخترقَتْ تلكَ الأصابِعْ‏
حُرْمةَ الصَّحْراءِ والغيمِ‏
و كيفَ انتزعَ الحبَّةَ من ثَغْرِ الحمَامَهْ‏
ظَلَّ عبدٌ اللهِ يَضْحكْ‏
* * *‏
نَهَرَ السلطانُ عَبْدَ اللهِ كَيْ يَصْمُتَ‏
لكن … ظَلَّ عبدُ اللهِ يَضْحكْ‏
* * *‏
يُزعجُ السلطانَ عبدُ اللهِ هذا مِنْ ثلاثينَ سَنَةْ‏
فهو آناً يَخْدشُ الغيمَ‏
و آناً يطعنُ الريحَ‏
و حيناً يجرحُ الأرضَ‏
و أحْياناً مَعَ الصمتِ و… يَضَحكْ‏
كيفَ؟ بَلْ… من أَضْحكَهْ؟‏
ما الذي نفعلُهُ كَيْ تستريحَ المملكَهْ‏
و أرى مُلْكِيَ مَعْصُوماً وخُلْواً‏
مِنْ بقايا الكائِناتِ المُضحِكَهْ؟‏
ظَلَّ عبدُ اللهِ يضحكْ –‏
صرخَ السلطانُ :‏
لا‏
ليسَ في مَمْلَكتي غيْرُ الهُدوءْ‏
ليسَ في مَمْلكتي حُرْمَةٌ مُنْتَهَكَهْ‏
ظَلَّ عبدُ اللهِ يَضْحَكْ –‏
صرخَ السلطانُ: لا‏
لِيَكُنْ عَبْدِيَ عَبْدُ اللهِ هذا‏
راقِداً لا ضِحْكَةٌ لا حَرَكَهْ‏
* * *‏
شاهَدَ الحُرَّاسُ عبدَ اللهِ‏
مَشْنوقاً على السُّورِ صَباحاً‏
و بُكاءُ الريحِ يُخْفي ضَحِكَهْ‏


uf] hggi dqp;